صديق الحسيني القنوجي البخاري
28
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وأن في قوله : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ إما مصدرية أي بعثنا بأن ابعدوا اللّه وحده أو مفسرة لأن في البعث معنى القول والوجهان حكاهما السمين وغيره . وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي اتركوا كل معبود دون اللّه كالشيطان والكاهن والصنم ، وكل من دعا إلى الضلال وهو من الطغيان يذكر ويؤنث ، ويقع على الواحد كقوله يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [ النساء : 60 ] وقد أمروا أن يكفروا به وعلى الجمع كقوله تعالى أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ [ البقرة : 257 ] ، والجمع طواغيت والتقدير واجتنبوا عبادتهم فالكلام على حذف المضاف . فَمِنْهُمْ أي فمن هذه الأمم التي بعث اللّه إليها برسله مَنْ هَدَى اللَّهُ أي أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت فآمن وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أي وجبت وثبتت بالقضاء السابق في الأزل لاصراره على الكفر والعناد فلم يؤمن . قال الزجاج : اعلم أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الضلال والهداية ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] . وفي هذه الآية التصريح بأن اللّه أمر جميع عباده بعبادته واجتناب الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلال ، وأنهم بعد ذلك فريقان فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الضلالة فكان في ذلك دليل على أن أمر اللّه سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ، ولا يريد الهداية إلا البعض إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ، وهذا معنى ما حكيناه عن الزجاج هنا . فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ سير المعتبرين المتفكرين لتعرفوا مآل من كذب الرسل وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك وفي الفاء اشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ رسلهم من الأمم السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود أي كيف ما آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان بالعذاب . ثم خصص الخطاب برسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مؤكدا لما تقدم فقال : إِنْ تَحْرِصْ يا محمد عَلى هُداهُمْ أي تطلب بجهدك ذلك وقد أضلهم اللّه لا تقدر على ذلك ، وفي المصباح حرص عليه حرصا من باب ضرب إذا اجتهد والاسم الحرص بالكسر وحرص على الدنيا وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة . وفي السمين قراءة العامة إن تحرص بكسر الراء مضارع حرص بفتحها وهي اللغة العالية لغة الحجاز وقرىء بكسر الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة لبعضهم .